السيد محمد باقر الصدر
73
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
الطبيعية هي تعبير عن حكمة اللَّه وتدبيره وحسن رعايته ، فمثل هذا الكلام لا يتعارض مع الطابع العلمي والتفسير الموضوعي لظاهرة المطر ؛ لأنّنا ربطنا هنا السنة باللَّه سبحانه وتعالى ، لا الحادثة مع عزلها عن بقية الحوادث وقطع ارتباطها مع مؤثراتها وأسبابها . إذن القرآن الكريم حينما يُسبغ الطابع الرباني على السنة التاريخية لا يريد أن يتّجه اتّجاه التفسير الإلهي في التاريخ ، ولكنّه يريد أن يؤكّد أنّ هذه السنن ليست هي خارجة ومن وراء قدرة اللَّه سبحانه وتعالى ، وإنّما هي تعبير وتجسيد وتحقيق لقدرة اللَّه ، فهي كلماته وهي سننه وإرادته وحكمته في الكون لكي يبقى الإنسان دائماً مشدوداً إلى اللَّه ، لكي تبقى الصلة الوثيقة بين العلم والإيمان ، فهو في نفس الوقت الذي ينظر فيه إلى هذه السنن نظرة علمية ، ينظر أيضاً إليها نظرة إيمانية . وقد بلغ القرآن الكريم في حرصه على تأكيد الطابع الموضوعي للسنن التاريخية وعدم جعلها مرتبطة بالصدف ، أنّ نفس العمليات الغيبية أناطها في كثير من الحالات بالسنة التاريخية نفسها أيضاً ، عملية الإمداد الإلهي بالنصر ، الإمداد الإلهي الغيبي الذي يساهم في كسب النصر ، هذا الإمداد جعله القرآن الكريم مشروطاً بالسنة التاريخية ، مرتبطاً بظروفها غير منفكّ عنها ، وهذه الروح أبعد ما تكون عن أن تكون روحاً تفسّر التاريخ على أساس الغيب ، وإنّما هي روح تفسّر التاريخ على أساس المنطق والعقل والعلم ، وحتى ذاك الإمداد الإلهي الذي يساهم بالنصر - ذاك الإمداد أيضاً - رُبط بالسنة التاريخية . قرأنا فيما سبق صيغة من صيغ السنن التاريخية للنصر حينما قرأنا قوله سبحانه وتعالى : « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى